يمرّ لبنان بمنعطف حاسم في تاريخه السياسي والأمني، مع اقتراب موعد الحسم في ملفّ نزع سلاح حزب الله، بعد أن أبلغت واشنطن بيروت، عبر موفدها توم براك، أنّ القرار اتُّخذ ولا تراجع عنه. الرسالة الأميركية واضحة وصريحة: على الدولة اللبنانية الشروع، وبلا مماطلة، بوضع جدول زمني لتسليم السلاح، على أن يتم الاتفاق عليه خلال أسبوعين كحدّ أقصى، وتُستكمل الإجراءات الميدانية خلال ستة أشهر.
الزيارة الثانية للموفد الأميركي اليوم تحمل طابعًا حاسمًا. فواشنطن، وفق المعطيات، لم تعد مستعدة لسماع أعذار، ولا لتكرار لعبة التسويف اللبنانية. المطلوب جواب رسمي، لا مناورات. وفي حال واصل حزب الله التذاكي ومحاولة كسب الوقت أو فرض شروطه، فإن البديل بات مطروحًا على الطاولة: الحسم العسكري.
أمام هذا المشهد، يُدرك حزب الله أن القرار اتخذ، لكنّه يسعى جاهدًا إلى تأمين مخرج يحفظ له “ماء الوجه”. فبدأ يفتعل الحملات ويضخّ الشائعات، محاولًا شدّ عصب بيئته واستدرار تعاطفها. من اختلاق روايات عن “مفاوضات سلام” بين سوريا وإسرائيل، تتضمّن مزاعم بتنازل الرئيس السوري محمد الشرع عن الجولان مقابل حصوله على مدينة طرابلس وأجزاء من البقاع اللبناني، إلى فبركة أخبار عن “قوات سنية مرتزقة” تتحشّد على الحدود، و”خلايا إرهابية” دخلت بهويات مزوّرة إلى الداخل اللبناني.
الهدف من هذا السرد المشحون واحد: تخويف البيئة الشيعية، وصناعة عدوّ سني وهمي، لتبرير استمرار التسلّح ورفض الانصياع لقرار الدولة.
لكن اللعبة باتت مكشوفة. فالشعب اللبناني، بجميع طوائفه، ضاق ذرعًا بحروب الوكالة، وبتسخير أمن البلاد لخدمة محاور إقليمية. والخطر اليوم لا يأتي من “الآخر”، بل من بقاء السلاح خارج الشرعية، ومن الإصرار على ضر ب الاستقرار الداخلي باسم “المقاومة”.
اللحظة دقيقة، والفرصة ما زالت متاحة أمام “حزب الله” للعودة إلى حضن الدولة، وإنقاذ ما تبقّى من الهيبة الوطنية. أمّا الرهان على الوقت، فخاسر. واللعب على وتر الطائفية، لا يطيل عمر السلاح… بل يسرّع زواله.
