الوفد الأميركي لم يأتِ ليستمع ثم يغادر، بل جاء ليقولها صراحة: الإصلاح لا يتحقق بالشعارات. فقد شدّد ممثلو وزارة الخزانة الأميركية على أنّ إعادة هيكلة القطاع المصرفي ليست خياراً سياسياً، بل شرط بقاء اقتصادي ومالي. ورغم إقرار بعض الخطوات الإصلاحية، كتعديل قانون السرية المصرفية وتعزيز الرقابة على مكافحة غسل الأموال، إلا أنّ الوفد اعتبرها محاولات محدودة لا تمسّ جوهر الأزمة المصرفية العميقة.

الرسالة كانت حاسمة: زمن المماطلة انتهى. فالفجوة المالية الهائلة بين أموال المصارف وحقوق المودعين تحوّلت إلى قنبلة موقوتة، وكل يوم تأخير في معالجة هذه الفجوة أو وضع خطة واقعية وعادلة لتوزيع الخسائر، هو خسارة إضافية في الثقة والفرص.

ورغم الانتقاد الواضح للتباطؤ، أبدى الوفد استعداد واشنطن والمجتمع الدولي لدعم لبنان إذا أظهر جدّية في الإصلاح، من خلال شفافية كاملة، ومحاسبة فعلية، وخطة تنفيذية واضحة. فبدون هذه الشروط، تبقى وعود التعافي كلاماً فارغاً، ويظل القطاع المصرفي عنوان الأزمة لا مدخل الخلاص منها.

أما التباطؤ المستمر، فبات أقرب إلى استراتيجية محسوبة تُبقي الانهيار قائماً وتحمي مصالح من لا يريدون للنظام أن يُصلح نفسه. فبعد ستّ سنوات من المراوغة، يتبيّن أنّ الفرص ضاعت تباعاً، وأنّ الحلول التي كان يمكن أن تُنقذ الاقتصاد في بدايات الأزمة أصبحت اليوم أثقل وأصعب. لو وُضع مسار إصلاحي حقيقي منذ البداية، لما كانت هذه الخيارات القاسية مطروحة الآن، ولما وصل اللبنانيون إلى هذا المستوى من الانهيار. لكنّ الحقيقة الواضحة هي أنّ من يعطّل الإصلاح هو نفسه من يدرك أنّ كلفته عليه أكبر من كلفة الفوضى القائمة.