في مثل هذا اليوم، لا نستعيد فقط ذكرى اغتيال الوزير بيار الجميّل، بل نستعيد لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث: لحظة سقط فيها وزير في حكومة شرعية برصاص ميليشيا تتحرك داخل الأراضي اللبنانية، وبالتحديد شمال نهر الليطاني الساحة التي لا تزال حتى اليوم عنوان الصراع بين الدولة والسلاح الخارج عنها.
بيار، الشاب الذي دخل السياسة من باب الإيمان لا المصلحة، حمل مشروع لبنان الدولة، لبنان المؤسسات، لبنان الذي لا يُدار بالتهديد ولا يُحكم بالخوف. كان يعرف أن التمسّك بالشرعية يعني المواجهة، وأن الدولة لا تعيش إذا بقي فوقها سلاح أقوى منها. وهذا ما جعله هدفًا.
في 21 تشرين الثاني 2006، وتحت جنح شارع مزدحم في الجديدة، توقّفت سيارة مظللة إلى جانب سيارة الوزير. نزل منها مسلّحٌ محترف الحركة، توجّه مباشرة نحو نافذة بيار، وأطلق من رشاشه دفعات مركّزة على الرأس والصدر، قبل أن يعود إلى السيارة التي انطلقت سريعًا، لتتوارى هي ومَن فيها داخل مخيم الزعيترية (ساحل المتن). اغتيالٌ نظيف، احترافي، لا يملكه إلا من يمتلك سلاحًا منظّمًا، منتظمًا، وأجهزة تغطية أي سلاح ميليشيا، لا سلاح أفراد.
اليوم المعركة نفسها تعود، والسؤال الذي طرحه اغتيال بيار يعود اليوم بصوت أعلى:
هل سيبقى السلاح الذي استخدم في اغتيال بيار خارج يد الدولة؟
هل ستبقى منطقة شمال الليطاني مهددة بعنف سلاح غير شرعي؟
وهل يُسمح لسلاح موجه إلى الداخل أن يبقى بحجة “المقاومة” فيما أولى ضحاياه كانوا أبناء الدولة نفسها؟
النقاش حول تسليم سلاح حزب الله للدولة ليس تفصيلاً تقنيًا، هو استكمال للمعركة التي دفع بيار حياته ثمنها.
بيار لم يتراجع، لم يساوم. كان يعرف أنّ المواجهة خطيرة، وأن الاصطدام مع من يمتلك سلاحًا خارج الدولة قد يكون ثمنه الحياة. لكنه اختار الطريق الأصعب لأن لبنان يستحق.
واليوم، بعد 19 عامًا، يبقى اسمه عنوانًا لمعركة السيادة، معركة الدولة في وجه دويلة.
بيار استشهد لأنه اختار الدولة، ولبنان لن ينهض إلا عندما يختار خيار بيار.
