ما لَبِثَ اللبنانيون أن يشعروا ببصيص أمل بعد الكلمة التي ألقاها رئيس الجمهورية عشية الاستقلال من الجنوب، حتى جاء الردّ الإسرائيلي سريعاً وعنيفاً، مستهدفاً عمق الضاحية في عملية اغتيال ضربت عرض الحائط بسيادة لبنان. وبينما تتصرّف إسرائيل بلامبالاة تامة تجاه الحدود والقوانين، يكرّر الحزب في المقابل المسار نفسه: قادته يتنقّلون بين المدنيين ومن داخل الأحياء، غير آبهين بأرواح أبناء بيئتهم رغم إدراكهم الكامل أنهم أهداف مباشرة.

أمام هذا المشهد المعقّد، يبرز السؤال: من الملام؟ هل الدولة التي تلاشت قدرتها على الفعل وباتت مجرّد متفرّج عاجز، تُكبّلها موازين القوى وتتحوّل إلى طرف ينتظر أحد اللاعبين كي يقدّم حلاً، من دون أن يكون قادراً على الضغط على أي منهما؟

وفي هذا السياق، يبرز السيناريو الانتحاري وهو استمرار الحزب في المكابرة ورفض أي بحث جدّي في مسألة تسليم السلاح، مع الإصرار على تقديم المبرّرات التي تسمح لإسرائيل بتوسيع ضرباتها ومواصلة عملياتها. وهو خيار يعي الحزب جيداً أنه مؤلم له ولبيئته، مهما بدا شعبوياً في الشكل. فالتعب داخل البيئة الحاضنة لم يعد خافياً، والناس تبحث عن مخرج لا يقود إلى حرب، وفي الوقت نفسه لا يُظهر الحزب كمن انهزم بالكامل، بل يتيح له الحفاظ على هامش “نصر معنوي” أو مخرج يحفظ ماء الوجه.

في المقابل، يطلّ السيناريو الآمن للبنان وشعبه ككل، بما في ذلك بيئة الحزب: العودة إلى الدولة، والانضواء تحت سلطتها، والبدء الجدي بتسليم السلاح وفق آلية توقف نزيف الدم وتعيد للدولة القدرة على الضغط لوقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي المستهدفة. فالدولة تبقى المرجعية الوحيدة القادرة على حماية اللبنانيين جميعاً، وعلى إعادة تشكيل قوة متوازنة تُخرج لبنان من منطق الحرب.

الكرة اليوم في ملعب حزب الله. فالحزب يبدو عاجزاً عن الردّ ولا يريد فتح الجبهة مع إسرائيل بعدما أدرك أن موازين القوى لا تخدمه وأن الحرب الشاملة قد تنهي وجوده العسكري والسياسي. لكن الاستمرار في هذا الجمود ومحاولة إعادة بناء قوته تحت النار الإسرائيلية قد يضعه أمام النتيجة نفسها التي يحاول تجنّبها.

لذا يبقى الحلّ الواقعي والأقلّ كلفة: العودة إلى الدولة وتسليمها زمام الأمور. ولا حاجة لمبرّرات إضافية، المطلوب فقط تجاوز حالة الإنكار التي تجعل الحزب يعتبر نفسه أكبر من الدولة. فالدولة وحدها قادرة على حماية بيئته قبل غيرها، وعلى وضع حدّ لمسار يهدّد لبنان كلّه، ويعيد بناء معادلة جديدة قوامها السيادة والأمن والاستقرار.

وهذا المسار ليس إهانة، ولا يشكّل خروجاً عن العقيدة أو تراجعاً عن الثوابت كما يُروَّج. بل هو الخيار الأكثر عقلانية ووطنية. فأن تتسلّم الدولة السلاح في إطار قرار جامع هو خطوة تُعيد الاعتبار لفكرة الدولة القادرة، وتضع القوة في مكانها الطبيعي، وتحوّل ما بُذل من تضحيات إلى رصيد وطني يحمي لبنان بدل أن يُستنزف.

أما أن يُدمَّر السلاح على يد إسرائيل، فذلك لا يعني خسارة عسكرية فقط، بل ضربة للكرامة ولذاكرة كاملة من التضحيات.

وبين أن يُسلَّم السلاح للدولة بإرادة وقرار، أو أن يُباد تحت النار الإسرائيلية، يبقى الخيار الأول هو الأكثر شرفاً وحكمة، وهو الطريق الوحيد لحماية المجتمع والبيئة والبلد بأسره.