يُطرح السؤال أحيانًا على سبيل المزاح، وأحيانًا أخرى بمرارة: ما الفرق بين من يربح “اللوتو” ومن يدخل إلى المجلس النيابي؟ للوهلة الأولى قد يبدو السؤال عبثيًا، لكن التمعّن فيه يكشف خللًا عميقًا في فهم السياسة ودور التمثيل العام.

في “اللوتو” تُسحب الأرقام كل اثنين وخميس. تختار رقمًا، فإما أن تصيب وإما أن تخطئ. إن أصبت، فالحظ يحالفك، وقد تصبح مليونيرًا بين ليلة وضحاها، بكبسة زر واحدة. فرصة نادرة تغيّر حياتك المالية، تفتح لك الأبواب، وتمنحك القدرة على تحقيق أحلامك، إطلاق مشاريع، أو حتى عيش رفاه لم يكن متاحًا من قبل. كل ذلك بلا مسؤوليات عامة، ولا محاسبة، ولا التزامات تتجاوز حدودك الشخصية.

أما النيابة، فالمفترض أن تكون شيئًا آخر تمامًا. النيابة ليست جائزة مالية، ولا ربحًا سريعًا، ولا ورقة حظ تُسحب عند موسم الانتخابات. هي مسؤولية ثقيلة، وعمل عام يفرض على من يتولاه أن يدفع قبل أن يقبض، وأن يلتزم قبل أن يستفيد. النائب ليس متلقيًا للمال، بل صاحب دور تشريعي ورقابي، يسنّ القوانين، ويسائل الحكومة، ويوجه لها الأسئلة، ويحاكم أداءها سياسيًا، ويساهم في اختيار رئيس الجمهورية وتسمية رئيس الحكومة. هي وظيفة عامة في خدمة الناس، لا مشروعًا خاصًا في خدمة الذات.

المفارقة الساخرة أن بعض من ينوون الترشح للانتخابات النيابية قرروا الجمع بين الفكرتين، فتعاملوا مع النيابة وكأنها نسخة مطوّرة من “اللوتو”. فرصة للربح، لتمرير الحسابات، لعقد الصفقات، وللظهور غير المبرر، لا أكثر. هؤلاء لا يرون في النيابة واجبًا، بل غنيمة، ولا يعتبرونها تكليفًا، بل استثمارًا شخصيًا.

وهنا يكمن الخلل الحقيقي. من يربح “اللوتو” لا يُسأل عمّا سيفعل بماله، أما من يصبح نائبًا فيجب أن يُسأل عن كل موقف، وكل تصويت، وكل قانون، وكل صمت. النيابة ليست ضربة حظ، بل امتحان أخلاقي وسياسي يومي. ومن يخلط بينها وبين لعبة أرقام، عليه أن يعيد النظر في فهمه للدولة، وللمسؤولية، وللمعنى الحقيقي للتمثيل الشعبي.