لم تعد التحولات التي يشهدها حزب الله بعد الحرب الأخيرة مجرّد تعديلات تنظيمية عابرة، بل باتت مؤشرات سياسية واضحة على مرحلة انكماش غير مسبوقة يمرّ بها الحزب، فرضتها الهزائم المتراكمة، وسقوط المظلّة الإقليمية التي لطالما وفّرت له الحماية والقدرة على المناورة. فالحزب الذي حكم لبنان بمعادلات القوة والهيمنة، يجد نفسه اليوم مضطرًا لإعادة ترتيب بيته الداخلي تحت ضغط الوقائع لا الخيارات.

التغييرات التي طالت وحدات حسّاسة داخل الحزب، وفي مقدّمها وحدة الارتباط والتنسيق، لا يمكن فصلها عن هذا السياق. فالمسّ بصلاحيات وفيق صفا، الرجل الذي شكّل لسنوات واجهة الحزب الأمنية والسياسية غير المعلنة، لا يُقرأ كإجراء إداري بقدر ما هو رسالة سياسية داخلية وخارجية في آن واحد. فحين تُفرغ الصلاحيات من مضمونها من دون إعلان إقالة، فهذا يعني عمليًا العزل التدريجي والإخراج الصامت من مركز القرار.

وفيق صفا لم يكن موظفًا عاديًا داخل الهيكلية الحزبية، بل كان عنوانًا لمرحلة فائضة بالقوة، مارس خلالها الحزب نفوذه بأدوات خشنة، واستفزّ القوى السياسية والأمنية والقضائية، مستندًا إلى فائض قوة لم يعد متوافرًا اليوم. من هنا، فإن تقليص دوره لا يعكس فقط إعادة توزيع مهام، بل يعكس فقدان الثقة بنموذج الأداء السابق، ومحاولة التخلص من رموز باتت عبئًا في مرحلة يتطلب فيها الحزب خفض التوتر لا تصعيده.

الأخطر في هذه التغييرات أنها لا تأتي من موقع قوة، بل من موقع ارتباك. فالحزب الذي اعتاد إدارة التناقضات بالقوة، بات اليوم يبحث عن تقليص الخسائر، وإعادة التموضع، وتخفيف الاحتكاك مع الداخل اللبناني، في ظل قيادة جديدة تفتقد إلى الكاريزما والقدرة على فرض الإيقاع كما كان الحال في عهد حسن نصرالله.

قيادة الشيخ نعيم قاسم تمثّل انتقالًا اضطراريًا إلى مرحلة إدارة الانكفاء لا مشروع التوسّع. وهي قيادة تتحرك تحت سقف الشكوك، داخل البيئة الحزبية نفسها، وفي ظل أزمة ثقة غير معلنة طالت القادة والكوادر، وبرزت بوضوح في ملف التعويضات، وفي التذمّر الشعبي داخل القاعدة التقليدية للحزب، وهو أمر لم يكن مألوفًا سابقًا.

أما التعديلات التي شملت وحدة الحماية وغيرها من المفاصل الأمنية، فهي دليل إضافي على أن الحزب يعيد بناء منظومته من موقع دفاعي، في محاولة لسدّ الثغرات التي كشفتها الحرب، لا في إطار تطوير هجومي أو استراتيجي. فالتغييرات الجذرية في القادة، عندما تأتي دفعة واحدة، تعكس عادة اهتزازًا في البنية، لا تجديدًا واثقًا.

في المحصلة، حزب الله اليوم ليس الحزب الذي كان قبل الحرب. لم يتغيّر في عقيدته، لكنه تراجع في قدرته، وانكمش في نفوذه، وتصدّعت ثقته بقياداته. والتغييرات التنظيمية، وعلى رأسها تحجيم شخصيات وازنة كوفيق صفا، ليست سوى عناوين لمرحلة ضعف يحاول الحزب إدارتها بصمت، بانتظار ظروف إقليمية قد لا تعود كما كانت.