ملف السجناء السوريين في لبنان ليس ملفًا سياسيًا ولا مادة للمزايدات، بل قضية عدلية سيادية تُدار وفق أحكام القانون، لا وفق ضغط الشارع ولا إيقاع اللحظة. أي مقاربة خارج هذا الإطار تُعرّض العدالة للاهتزاز، وتُسقط ما تبقّى من هيبة الدولة.
المسألة لا تتعلق بجنسية السجناء ولا بخلفياتهم السياسية، بل بموقع القضاء اللبناني ودوره. لبنان لا يوقِف أشخاصًا بسبب آرائهم، ولا يُفرج عنهم بقرارات سياسية. السجون تعاني اكتظاظًا، نعم، لكن الحل لا يكون بتجاوز القانون أو بتفريغ السجون بقرارات استنسابية، بل بإعادة انتظام المسار القضائي وتسريع المحاكمات ضمن الأصول.
التمييز أساسي بين من صدرت بحقهم أحكام قضائية وبين من لا تزال ملفاتهم قيد الملاحقة. نقل المحكومين ممكن فقط ضمن أطر قانونية واضحة تحفظ الأحكام والحقوق، ولا تسقط المسؤوليات. أما الملاحقون، فلا يخضعون لأي تسوية أو قرار إداري، لأن المسّ بحقوق القضاء في هذه المرحلة يعني فتح باب الفوضى العدلية.
نقل السجناء لا يعني الإفراج عنهم، ولا يمكن أن يكون مدخلًا لتبييض الجرائم أو تجاوز حقوق الضحايا. الجرائم الخطيرة تبقى خارج أي نقاش، والحقوق الشخصية مصانة، والسيادة القضائية غير قابلة للمقايضة. هذه ثوابت لا تخضع للظرف ولا للتبدّل السياسي.
القرار في هذا الملف ليس بيد وزير، ولا بيد حكومة، بل بيد القضاء، وبعضه يتطلّب تشريعًا صريحًا من مجلس النواب. احترام فصل السلطات ليس تفصيلاً تقنيًا، بل شرط وجود الدولة. من دون هذا الفصل، لا عدالة ولا ثقة ولا دولة.
هذا الملف يُدار كاختبار حقيقي للدولة اللبنانية: إمّا أن نُثبت أن القانون هو المرجعية الوحيدة، أو نعود إلى منطق الاستثناءات الذي كلّف لبنان الكثير. المعالجة الهادئة، القانونية، والمتدرجة هي وحدها القادرة على الوصول إلى حلّ عادل، يحفظ السيادة، ويصون القضاء، ويؤكد أن العدالة في لبنان لا تُدار من خارج مؤسساتها.
