أثار تعيين غراسيا القزي في منصب المديرة العامة للجمارك موجة واسعة من التساؤلات والاستغراب، خصوصًا أنّها مدّعى عليها في ملف انفجار مرفأ بيروت، بعد ثبوت اطّلاعها على مستندات رسمية تتعلق بشحنة نترات الأمونيوم التي تسببت بإحدى أفظع الكوارث في تاريخ البلاد عام 2020. وقد سجّل وزير العدل عادل نصار تحفظه رسمياً على التعيين في محضر الجلسة، مشيراً إلى أنّ تولّي القزي المنصب يُثير إشكالية قانونية جدّية كونها مطروحة أمام المحقق العدلي طارق البيطار في الملف نفسه.
إلى جانب هذا الملف، تواجه القزي ادعاءً آخر في قضية فساد تعود إلى عام 2019، دفعت القاضية غادة عون آنذاك إلى منعها من السفر وكفّ يدها عن مهامها كعضو في المجلس الأعلى للجمارك، في قضية لا تزال عالقة من دون أي حسم قضائي حتى اليوم.
ورغم هذا المسار القضائي المليء بالعلامات الحمراء، اختارت الحكومة المضي في التعيين، مستندة إلى مقاربة قانونية ضيّقة عبّر عنها وزير الإعلام، مفادها أنّ عدم صدور حكم قضائي مبرم بحق القزي لا يمنعها من تولّي المنصب، باعتبارها لا تزال متمتّعة بحقوقها المدنية والسياسية. غير أنّ هذا التبرير، وإن بدا منسجمًا مع النص القانوني، يتجاهل كليًا البعد الأخلاقي والسياسي للتعيينات العامة، ويتعامل بخفّة مع حساسية الموقع ومع وقع القرار على الرأي العام.
فالإشكالية المطروحة لا تنحصر في سؤال الجواز القانوني، بل تتجاوز ذلك إلى معيار الاختيار ذاته. هل بات من المتعذّر العثور على كفاءات غير مثقلة بالملفات والشبهات؟ وهل يُعقل أن تكون التعيينات، بدل أن تشكّل فرصة لاستعادة ثقة الناس، سببًا إضافيًا لتعميق الهوّة بينهم وبين الدولة؟ قد لا يمنع القانون هذا التعيين، لكن المسؤولية الوطنية تفرض السعي إلى أسماء تعكس النزاهة والشفافية، لا الاكتفاء بالحدّ الأدنى القانوني. فبغير ذلك، تصبح الحكومة عاجزة حتى عن تقديم الحد الأدنى من الأمل، أو المطالبة باحترام الرأي العام الذي أنهكته الخيبات المتراكمة.
