لم تعد إطلالات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم قادرة على إحداث الأثر الذي يُفترض بها أن تُحدثه داخل بيئته. فالإكثار من الخطابات، ورفع السقوف الكلامية، لم يعدا وسيلة شدّ عصب، بل تحوّلا إلى عبء سياسي في لحظة تختلف كليًا عن المراحل السابقة. البيئة التي دفعت أثمانًا بشرية ومادية باهظة، لا تبحث اليوم عن لغة التحدي، بل عن ضمانة واحدة: إعادة الإعمار والعودة إلى الحياة.
الخلل لا يكمن فقط في مضمون الخطاب، بل في انفصاله المتزايد عن أولويات الناس. فبيئة الحزب، التي لطالما شكّلت عمقه الاجتماعي، باتت أكثر واقعية وأقل قابلية لتلقي الرسائل التعبوية. ما يريده أبناء القرى المدمّرة واضح وبسيط: منازلهم، أرزاقهم، واستقرارهم. أما الحديث عن السلاح بوصفه أولوية مطلقة، فلم يعد يجد الصدى نفسه، لا سيما حين يُربط بأي تأخير أو غموض في ملف الإعمار.
الواقع أن السلاح، في وعي هذه البيئة، لم يعد ورقة قوة كما في السابق. لا لأنه فقد رمزيته التاريخية فقط، بل لأن كلفته أصبحت مباشرة على الناس أنفسهم. فالمعادلة باتت مكشوفة: لا إعمار من دون مسار سياسي واضح، ولا مساعدات دولية من دون حصرية السلاح بيد الدولة، ولا عودة طبيعية إلى القرى من دون استقرار طويل الأمد. هذه حقائق تسمعها البيئة قبل خصوم الحزب.
في هذا السياق، تبدو خطابات التصعيد خارج الزمن. فبدل أن تُطمئن، تثير القلق. وبدل أن توحّد، تفتح باب الأسئلة داخل البيت الواحد. البيئة التي صبرت طويلًا، لم تعد مستعدة للدفع المفتوح من دون أفق، ولا لتلقي خطابات لا تُجيب عن السؤال الأساسي: متى الإعمار؟ وكيف؟ وعلى أي أساس؟
الأخطر أن هذا الخطاب لا ينسجم حتى مع المسار السياسي القائم. فالحزب مشارك في حكومة التزمت بيانًا وزاريًا واضحًا، ورئيس الجمهورية يطرح حوارًا مباشرًا، ورئيس المجلس النيابي يقود مقاربة براغماتية تقوم على التلازم بين الخطوات. في المقابل، يأتي رفع السقف ليعطّل لا ليحمي، وليزيد العزلة بدل تخفيف الضغوط.
الرهان على شدّ العصب لم يعد مجديًا. فالعصب اليوم هو لقمة العيش، وسقف المنزل، ومستقبل الأولاد. وبيئة الحزب، خلافًا للصورة النمطية التي تُرسم لها، تقرأ وتُقارن وتستنتج. وهي تدرك أن طريق إعادة الإعمار يمر عبر الدولة لا فوقها، وعبر التسويات لا عبر المكابرة.
من هنا، المشكلة ليست في تراجع الحضور السياسي للحزب داخل بيئته، بل في سوء قراءة مزاجها. هذه بيئة تريد حلولًا لا شعارات، وخيارات تنقذ ما تبقى، لا خطابات تُراكم الخسائر. وأي تجاهل لهذا التحوّل، لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفجوة بين القيادة والناس، في لحظة لم يعد فيها الترف السياسي متاحًا.
