القرار الأخير لوزير المال ياسين جابر ليس تفصيلاً إدارياً عابراً، بل مسّ مباشر بجوهر الملكيات المشاعية في جبل لبنان.

المشاعات ليست أراضي سائبة ولا فراغاً قانونياً. هي ملك جماعي لأهالي القرى، كرّسته الأعراف والقوانين عبر عقود، وشكّلت ركيزة اقتصادية واجتماعية وإنمائية للجبل. تحويلها إلى أملاك دولة بحجّة “التنظيم” أو “منع التعديات” يطرح سؤالاً بديهياً: هل تُحمى الملكية عبر انتزاعها من أصحابها التاريخيين؟

المشكلة ليست في ضبط المخالفات، فهذا واجب الدولة، بل في تعميم الشبهة على نظام الملكية المشاعية بكامله. المعالجة تكون بملاحقة التعديات حيث وُجدت، لا بتغيير صفة الأرض المشاعية وتحويل قرارها من يد أهل القرى إلى الإدارة المركزية في الدولة.

المشاعات جزء من توازن الجبل وصيغته المحلية. المسّ بها ليس إجراءً تقنياً، بل خطوة تمسّ طريقة إدارة الأرض نفسها وتنقلها من منطق الشراكة المحلية إلى منطق التحكم المركزي.

لذلك، المسألة لا تقف عند حدود إجراء إداري عابر. حين تُمسّ الملكيات المشاعية بهذا الشكل، يحقّ لأهالي الجبل أن يسألوا: ما الذي يُراد فعلاً من وراء هذا القرار؟ هل هو مجرد ضبطٍ تقني، أم تمهيد لتغيير أعمق في هوية الأرض ووظيفتها ودورها؟

الشفافية وحدها تُبدّد الشكوك. أما القرارات المباغتة التي تطال إرثاً جماعياً بهذا الحجم، فطبيعي أن تفتح الباب أمام علامات استفهام أكبر من نصّ التعميم نفسه.