سياسة إيران في المنطقة ليست عشوائية، بل تقوم على معيار واضح: الدولة القويّة والدولة الضعيفة. من هنا يمكن فهم التناقض الصارخ في سلوكها بين بلد وآخر.

في دول مثل لبنان والعراق واليمن، تتعامل إيران بعقلية الوصاية لا الشراكة. تدخل من أبواب معروفة: الفساد، الطائفية، وانقسام المجتمع. تبني نفوذها عبر أدوات محلية، كـ حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، وفصائل مسلحة في العراق. هنا لا يكون الخطاب دبلوماسياً، بل فوقياً، سلطوياً، قائماً على فرض الوقائع.

في المقابل، حين تتجه إلى دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة المتحدة، التي يوجد فيها شيعة بأعداد كبيرة، يتبدل المشهد بالكامل. الخطاب يصبح هادئاً، مرناً، دبلوماسياً. لا ميليشيات، لا أدوات موازية، ولا محاولات فرض أمر واقع والخطاب يصبح هادئاً جداً. لماذا؟ لأن هذه الدول تملك مؤسسات، قانون، محاسبة، وسيادة فعلية، ولا توجد بيئة تسمح ببناء نفوذ خارج إطار الدولة.

إذاً، لماذا تستغل إيران شيعة لبنان والعراق واليمن ضمن مشاريعها الإقليمية، ولا تفعل الأمر نفسه مع شيعة الكويت أو السعودية أو حتى في دول غربية مثل بريطانيا؟
الجواب لا علاقة له بالعقيدة، بل ببنية الدولة. في الدول الهشة، الطائفة تُستدعى كمدخل للنفوذ. أما في الدول المستقرة، فالمواطن مُحصّن بالقانون والانتماء الوطني، ولا يُختزل بهوية طائفية يمكن استثمارها سياسياً.

أما الذريعة القائلة إن دعم إيران لبعض هذه الساحات مرتبط بمواجهة إسرائيل، فهي حجة لا تصمد أمام الواقع. فالعراق ليس على تماس جغرافي مع إسرائيل، واليمن أبعد جغرافياً، ومع ذلك يحظيان بالدعم نفسه الذي يحظى به حزب الله في لبنان. ما يعني أن المسألة ليست “إنهاء إسرائيل” بقدر ما هي استراتيجية نفوذ عابرة للحدود.

إيران لا تتعامل بازدواجية عبثية، بل بازدواجية محسوبة. تتشدد حيث تستطيع، وتلين حيث تُجبر. وبين النموذجين، يتحدد مصير الدول لا بطوائفها، بل بقدرتها على أن تكون دولاً فعلاً: دولة قانون، لا ساحة مفتوحة.

 

-محمد الغزّاوي