في لبنان، لا تمرّ أزمة إلا وتتحوّل إلى مناسبة طائفية. كل حدث، مهما كان بسيطًا أو إنسانيًا أو مرتبطًا بالصحة العامة، يجد من يجرّه إلى مستنقع الانقسام.
أحدث مثال على ذلك: أزمة مياه تنورين.
خلال ساعات، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات وتحليلات طائفية مقزّزة. بدل أن يُناقش اللبنانيون خطر تلوث المياه على صحة أطفالهم، بدأ بعضهم يُقاطع “تنورين” لأن أصحابها ينتمون إلى جهة سياسية معيّنة، ويدافع آخرون عنها فقط لأنهم ينتمون إلى المعسكر المقابل.
المياه لم تعد ملوثة بالجراثيم، بل بالكراهية.
هذه ليست حادثة عابرة. هي مرآة لمرض أعمق: في لبنان، السياسة لا تكتفي بتقسيم الأرض والسلطة، بل تسللت إلى الطعام والدواء والماء.
من يشرب ومن لا يشرب، من يثق ومن يشك، من يشتري ومن يُقاطع كلها أصبحت قرارات تحددها الطائفة، لا العقل.
أن تتحوّل أزمة صحية عامة إلى مادة طائفية بهذا الشكل، يعني أننا لم نعد نملك حتى الحد الأدنى من المناعة الاجتماعية.
حين تُصبح المصلحة الطائفية أهم من صحة الناس، فهذا ليس مجرد انحطاط سياسي، بل انهيار أخلاقي شامل.
