ليست زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن تفصيلاً بروتوكوليًا عابرًا، ولا محطة علاقات عامة تُضاف إلى روزنامة اللقاءات الدبلوماسية. إنها زيارة محمّلة بالدلالات، ثقيلة بالرمزية، وتأتي في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة اللبنانية، حيث يقف الجيش في واجهة معركة استعادة السيادة وحصر السلاح وفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها.
في توقيت بالغ الحساسية، اختار قائد الجيش أن يذهب إلى عاصمة القرار الدولي، لا ليطلب غطاءً سياسيًا، بل ليؤكّد حقيقة واحدة: أن الجيش اللبناني ليس تفصيلاً في معادلة الاستقرار، بل هو عمودها الفقري، والضمانة الوحيدة المتبقية لكيان الدولة.
واشنطن، بما تمثّله من ثقل سياسي وعسكري عالمي، ليست مجرد محطة دعم تقني أو لوجستي. زيارة قائد الجيش إليها تعني اعترافًا دوليًا متجدّدًا بأن المؤسسة العسكرية اللبنانية هي الشريك الشرعي الوحيد القادر على الإمساك بالأرض، ضبط الحدود، ومنع الانزلاق إلى الفوضى أو الحروب بالوكالة.
هي رسالة واضحة: المجتمع الدولي، وفي طليعته الولايات المتحدة، يضع ثقله حيث توجد الدولة، لا حيث يتفلت السلاح ولا حيث تُدار المعارك خارج القرار الوطني.
الدعم الأميركي للجيش اللبناني لم يكن يومًا مجرّد مساعدات عسكرية. هو دعم سياسي، معنوي، ومؤسساتي لدور الجيش كحارس للشرعية، وكخط الدفاع الأخير عن وحدة البلاد. من التدريب والتسليح، إلى الدعم اللوجستي والاستخباراتي، وصولًا إلى الغطاء الدولي، شكّل هذا الدعم عامل توازن حاسم في أحلك مراحل الانهيار.
وفي ظل الانهيار الاقتصادي، وتآكل مؤسسات الدولة، بقي الجيش صامدًا. لم ينقسم، لم يُسيَّس، ولم يتحوّل إلى أداة في صراعات الداخل. وهذا بالضبط ما يجعل الاستثمار فيه ضرورة وطنية ودولية في آن.
أهمية هذه الزيارة تتضاعف لأنها تأتي فيما الجيش اللبناني يخوض واحدة من أدق مهامه: حصر السلاح بيد الدولة، وبسط السيادة على كامل الأراضي اللبنانية، من دون شعارات، ومن دون مغامرات، بل وفق منطق الدولة والقانون.
في هذا التوقيت، تصبح أي إشارة دعم دولية للجيش بمثابة تثبيت لمسار واضح: لا استقرار بلا دولة، ولا دولة بلا جيش قوي، ولا جيش قادر من دون دعم حقيقي ومستدام.
زيارة قائد الجيش إلى واشنطن هي تأكيد أن الرهان على المؤسسة العسكرية هو الرهان الصحيح، داخليًا وخارجيًا. هي دعوة صريحة للمجتمع الدولي بأن الطريق إلى استقرار لبنان يمرّ عبر الجيش، لا عبر التسويات الهشّة ولا عبر غضّ النظر عن السلاح الخارج عن الشرعية.
وهي في الوقت نفسه رسالة إلى الداخل اللبناني: حين يخطو الجيش خطوة إلى الأمام، فإن الدولة كلّها تُمنح فرصة جديدة للحياة.
