لم تكن زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى الجنوب مجرّد جولة بروتوكولية، ولا محطة علاقات عامة عابرة. كانت زيارة محمّلة بالدلالات، ثقيلة بالرمزية، وصريحة برسائلها السياسية، في توقيت دقيق يحتاج فيه الجنوب، كما كل لبنان، إلى ما هو أكثر من الشعارات… يحتاج إلى دولة.

في الجنوب، حيث اعتاد الناس أن تُفرض عليهم الوصايات وأن تُختصر الدولة بصورة غائبة أو مؤجلة، بدا المشهد مختلفًا هذه المرة. رئيس حكومة يدخل القرى الجنوبية بصفته ممثّلًا للسلطة الشرعية، لا ضيفًا على هامشها، ولا شاهدًا على أمر واقع. الحضور الرسمي كان واضحًا، لكن الأوضح كان المشهد الشعبي: استقبال دافئ، ترحيب صادق، ونبرة ارتياح لم تكن مصطنعة.

اللافت لم يكن فقط التصفيق أو المصافحات، بل تلك اللحظة العفوية التي تختصر الكثير: هتافات الأهالي التي علت تلقائيًا “يا هلا بالدولة عنا”. جملة بسيطة، لكنها أثقل من خطابات كاملة. في هذه العبارة، قال أهل الجنوب ما لم يُرد قوله طويلًا: تعبنا من البدائل، تعبنا من السلاح الموازي، وتعبنا من العيش خارج كنف الدولة.

هذا الترحيب لم يكن موجّهًا لشخص نواف سلام بقدر ما كان موجّهًا لفكرة الدولة التي يمثلها. الدولة التي غابت طويلًا عن الجنوب، أو حُوصرت، أو شُوّه حضورها. واليوم، حين عادت بخطاب مختلف ونبرة هادئة وموقف واضح، وجد الناس أنفسهم أقرب إليها مما يُصوَّر في السرديات الجاهزة.

زيارة سلام حملت رسالة طمأنة قبل أن تكون إعلان مواقف: الدولة موجودة، العودة أولوية، وإعادة الإعمار مسؤولية وطنية لا مِنّة فيها لأحد. والأهم، أن كرامة أهل الجنوب لا تُصان إلا تحت سقف الدولة، لا تحت رايات الميليشيات مهما حاولت تبرير وجودها.

ما جرى في الجنوب ليس تفصيلًا، ولا يمكن اختزاله بمشهد ترحيبي عابر. هو مؤشر على تحوّل صامت لكنه عميق في المزاج العام. حين يهتف الناس للدولة، فهذا يعني أنهم اختاروا الوضوح على الغموض، والشرعية على الأمر الواقع، والاستقرار على المغامرات.

قد لا تحل زيارة واحدة كل الأزمات، لكنها أعادت ترتيب البوصلة. الجنوب قال كلمته بهدوء: لم يعد لديه سوى الدولة، وهو اليوم أكثر اطمئنانًا حين يراها حاضرة، وممثَّلة برئيس حكومة يعرف أن السيادة لا تُفرض بالقوة، بل تُستعاد بالثقة.