ليست زيارة السفير الأميركي إلى مرفأ بيروت حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا محطته السابقة في مؤسسة كهرباء لبنان تفصيلًا إداريًا على جدول دبلوماسي مزدحم. من يعرف كيف تُقرأ الرسائل الدولية، يدرك أن اختيار المكان هو بحدّ ذاته موقف سياسي. فالمرفأ والكهرباء ليسا مجرد مرفقين عامّين، بل هما عنوانا الانهيار الكبير، ومرآة الدولة حين غابت، وحين تُركت مؤسساتها رهينة الفوضى والسلاح والصفقات.
الدخول الأميركي إلى هذين الملفّين يعني شيئًا واحدًا: المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع لبنان كحالة ميؤوس منها، بل كدولة يُعاد اختبار أهليتها للإنقاذ. اختبار قاسٍ، بلا مجاملات، ولا شيكات على بياض.
في السياق نفسه، تأتي التحضيرات الجارية في فرنسا لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، بدفعٍ واضح من باريس والرياض، أي من دولتين لا تستثمران في الفراغ ولا تراهنان على أوهام. الجيش هنا ليس بندًا تقنيًا في جدول المساعدات، بل هو جوهر المعادلة السيادية: إمّا مؤسسة عسكرية قوية تمسك بالأرض وتفرض سلطة الدولة، وإمّا بلد متروك لتوازنات السلاح والدويلات.
ما يجري اليوم ليس اندفاعة عاطفية من الخارج، ولا حنينًا إلى لبنان ما قبل الانهيار. الدول لا تدعم دولًا مخطوفة، ولا تضخّ أموالًا في أنظمة عاجزة عن الإمساك بقرارها، ولا تراهن على كيانات يكون فيها السلاح فوق الدولة لا تحتها.
الدعم الدولي بدأ يظهر لأن لبنان، وللمرّة الأولى منذ سنوات طويلة، يبعث بإشارات سياسية مختلفة: إشارات تقول إن مسار حصر السلاح لم يعد من المحرّمات، وإن استعادة القرار لم تعد شعارًا للاستهلاك، وإن الدولة ولو بصعوبة تحاول أن تعود مرجعية وحيدة.
لهذا السبب عاد لبنان إلى الرادار الدولي، لا العكس. ولهذا السبب تُفتح الأبواب بحذر، وتُمدّ الأيدي بشروط واضحة، وتُراقَب الخطوات قبل أن تُكافأ. فالعالم لا يراهن على النوايا، بل على الاتجاه.
اليوم، الكرة ليست في ملعب الخارج. الخارج أعطى إشارة، وفتح نافذة مشروطة. أمّا الداخل، فهو أمام خيار تاريخي لا لبس فيه: إمّا استكمال مسار بناء الدولة وحصر السلاح وترسيخ السيادة، وإمّا تبديد الفرصة والعودة إلى العزلة، من دون قدرة هذه المرّة على تحميل المسؤولية لأحدٍ سواه. اللحظة دقيقة، والفرص لا تنتظر طويلًا، ومن لا يقرأ التحوّلات، يُدهَس بها.
