إلى حزب الله،
هذه الرسالة ليست سجالًا سياسيًّا، بل نداء صريح من شعبٍ أنهكته الحروب، واستنزفت قواه، ولم يعد يملك رفاهية الصمت أو احتمال جولة جديدة من الدمار.

إنّ الحدث الأخير، المتمثّل بلقاء مجموعة من النواب مع وزير الخارجية المصري، وما نقله من معلومات واضحة حول اتجاه إسرائيل إلى تصعيد واسع قبل نهاية العام، مع امتلاكها “بنك أهداف” جاهز، ليس تفصيلًا عابرًا. إنه إنذار مباشر، ينعكس أوّل ما ينعكس على بيئتكم، وجمهوركم، والناس الذين يشكّلون عمقكم الاجتماعي والسياسي.

لقد بدأ أبناء الطائفة الشيعية منذ الآن يستأجرون منازل في مناطق بعيدة عن الخطر المحتمل. وهناك من صرف ما تبقّى لديه من مدّخرات لترميم منزلٍ دُمّر، أو لإعادة فتح متجرٍ أُغلق قسرًا، أو لعودةٍ خجولة إلى حياةٍ طبيعية حُرم منها لعامٍ كامل.
هؤلاء لا يملكون القدرة على تحمّل نزوحٍ جديد، ولا دمارٍ آخر، ولا سنة إضافية من النوم في بيوت مؤقتة، أو مدارس، أو منازل بالإيجار.

إنّ الجنوب والضاحية — بإنسانهما قبل حجرهما — لم يعودا قادرين على تحمّل حرب جديدة.
الناس هناك أنهكتهم الفواجع، واستُنزفت أموالهم، وتبعثرت طمأنينتهم، ولا يريدون أن يشهدوا مجددًا سقوط بيوت أعادوا بناءها بعرقهم، ولا أن يعيشوا تحت تهديد صواريخ لا يعرفون متى ستسقط.

والسؤال اليوم موجَّه إليكم مباشرة:
إذا كنتم لا تريدون أن ترحموا لبنان كلّه، فارحموا بيئتكم على الأقل.
ارحموا الجمهور الذي وقف معكم، ودفع ثمن الصراع من جسده وبيته ومستقبله، والذي لم يعد يملك ما يقدّمه سوى خوفه وقلقه وذكرياته.
ارحموا أمًّا أعادت ترتيب بيت دُمّر ثم عادت إليه بقلقٍ لا يهدأ.
ارحموا أبًا أعاد فتح متجره رغم ضيق الحال، مؤمنًا أنّ الحياة يجب أن تُستعاد، وأنّ الأمل لا بدّ أن يُعاش.
ارحموا شعبًا تعب… ولم يعد يحتمل.

إنّ البطولة ليست في جرّ الناس إلى حربٍ جديدة، بل في حمايتهم من حرب يعلم الجميع أنها لن تجلب سوى المزيد من الخراب.
والقرار اليوم، قبل أي وقتٍ آخر، هو اختبار أخلاقي وإنساني:
هل تُصغون إلى صوت بيئتكم التي ضاقت ذرعًا بالنزوح والدمار والخوف؟
هل تمنحون جمهوركم حقّ الحياة، لا حقّ الموت فقط؟

هذه رسالة مفتوحة إليكم:
“ارحموا من تبقّى من شعبكم… وارحموا من بقي واقفًا في محيطكم. الحرب ليست قدرًا، ولا يجب أن تُفرض على الناس كلما حاولوا استعادة حياتهم.”