المعركة في لبنان لا تقتصر على تسليم سلاح حزب الله وصواريخه، بل تتعدّاها إلى ما هو أخطر وأعمق: تفكيك المنظومة الأمنية التي بناها الحزب داخل الدولة والمجتمع.
فهذه المنظومة لا تقلّ خطرًا عن السلاح، بل قد تكون أكثر فتكًا لأنها تعمل بصمت، ومن دون ضجيج أو مواجهات مباشرة.
المنظومة الأمنية تعني شبكة سيطرة ومراقبة ونفوذ، تُخضع الناس قبل الأرض، وتكسر الإرادة قبل المؤسسات. هي التي تفرض الخوف بدل القانون، وتمنع الاعتراض بدل الحوار، وتحوّل مناطق كاملة إلى مساحات خارجة عن سلطة الدولة، دون استعمال السلاح.
تتجلّى المنظومة الأمنية لحزب الله على الأرض من خلال نفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة، حيث تُسهّل مصالح الحزب بطرق تتجاوز القانون، من تمرير شحنات مهربة في الجمارك والمرافئ، إلى استثناءات في المعابر، وتجمد ملفات حساسة بالقضاء، وتراجع الإعلاميين عن نشر تقارير خوفًا من كلفة غير مرئية. حتى الشارع يُضبط بسرعة، وتُحل الإشكالات خارج مؤسسات الدولة، لتصبح الدولة مجرد غطاء شكلي بينما القرار الفعلي بيد منظومة أمنية موازية يخضع لها الجميع.
خطورة هذه المنظومة أنها تعطّل الدولة من الداخل، ترهب القضاة، تضغط على الإعلام، تحاصر الخصوم، وتفرغ الديمقراطية من معناها. هي تجعل المواطن يراقب نفسه بنفسه، ويحسب كلمته قبل أن يقولها، لأن القرار الأمني ليس بيد الدولة بل بيد حزب.
لهذا، فإن حصر السلاح بيد الدولة من دون تفكيك المنظومة الأمنية يبقى إجراءً ناقصًا.
لا سيادة مع جهاز أمني موازٍ، ولا دولة مع عقل أمني فوق المحاسبة.
تفكيك المنظومة الأمنية ليس تفصيلاً، بل شرط أساسي لقيام دولة فعلية، يشعر فيها اللبناني أن حمايته تأتي من القانون لا من الخوف.
